علي بن أحمد المهائمي
687
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
كان لا يلقى الحقّ إلّا بعد الموت كما قال عليه السّلام : « إنّ أحدكم لا يرى ربّه حتّى يموت » لذلك قال تعالى : « ولا بدّ له من لقائي » ؛ فاشتياق الحقّ لوجود هذه النّسبة . يحنّ الحبيب إلى رؤيتي * وإني إليه أشدّ حنينا وتهفو النّفوس ويأبى القضا * فأشكو الأنين ويشكو الأنينا فلمّا أبان أنّه نفخ فيه من روحه ، فما اشتاق إلّا لنفسه ] . ثم استشعر سؤالا بأن أجزاء العالم لم تشارك النساء في جزئيته عليه السّلام ، فلما خصت النساء بالتحبب دون سائر أجزاء العالم ، فقال : ( « وأنا حببت إليّ النساء » « 1 » ) ؛ لأن الجزئية فيهن أظهر لمجانستهن إياه ، والمجانسة سبب الحب ، وانضمت إليه الجزئية ( فحن إليهن ) دون أجزاء العالم ( حنين الكل إلى جزئه ) المناسب له ، فشبه بذلك في حب ربه لمن خلقه على صورته المعنوية من الحياة والعلم ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر والكلام فأبان أي : صار صلّى اللّه عليه وسلّم ( بذلك ) ، أي : بهذا الحب ثباتا ( على الأمر ) ، أي : أمر الحب ( في نفسه ) الذي كان ( من جانب الحق ) لعباده الكمّل ، وهو المذكور ( في قوله ) الوارد في حق ( هذه النشأة الإنسانية العنصرية ) الشاملة على مرايا هذه الصفات ، ( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ) ، فأشار إلى حبه إياها بنفخ الروح المشرف بإضافته إليه ؛ لمناسبته إياه في التجرد وسائر الصفات الوجودية ، وإن كانت في غاية البعد عنه من حيث العنصرية . ( ثم ) أي : بعد الإشارة إلى حبه لها بهذا النفخ ، ( وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه ، فقال ) فيما أول على داود عليه السّلام ؛ لبيان شوقه ( للمشتاقين ) من جملة الأبرار : « ( يا داود ) طال شوق الأبرار إلى لقائي ، ( وإني أشد شوقا إليهم » « 2 » ) ، ولكن لا يغني كل مشتاق إلى رؤيته ، فإنها من حظوظ النفس ، وإنما ( يعني للمشتاقين إليه ) ، أي : إلى ذاته بالغناء فيه والبقاء به ، فإن الحق وإن اشتاق إلى لقيا كل مشتاق ، لكن لا يوصف بشدة الشوق إلا بالنسبة إلى من اشتد شوقه إليه وهو المشتاق لذاته ، واللقاء وإن كان أعم من لقاء الرؤية ، ولقاء الفناء والبقاء ، فلقاء الفناء والبقاء ( هو لقاء خاص لهم ) ، وهو إنما يحصل بالموت حال الحياة كما أن لقاء الرؤية إنما يحصل بالموت الطبيعي . ( فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال في حديث الدجال ) ؛ لبيان بطلان إلهيته بكونه يراه الأحياء بلا فناء عن ذواتهم وبقائهم به : ( « إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت « 3 » ) ، إما الموت الطبيعي أو موت الفناء عن نفسه » ، وهذا وإن فني عن نفسه ، ( فلا بدّ له من الشوق لمن هذا
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) سبق تخريجه .